الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
114
الأخلاق في القرآن
جاؤُ مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنا وَلِإِخْوانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونا بِالْإِيمانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنا إِنَّكَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ » « 1 » . وعلى هذا الأساس يقول هؤلاء بعد طلبهم المغفرة لهم ولمن تقدّمهم في الإيمان ( المهاجرين والأنصار ) حيث يطلبون من اللَّه تعالى أن يُزيل أي شكل من أشكال ( الغِل والحقد والحسد ) في قلوبهم بالنسبة إلى المؤمنين ، لأنهم يعلمون انّه ما دامت هذه الأمور تعيش في قلب الإنسان فإنّ روابط المحبّة والاخوّة والاتحاد لا يمكن أن تؤثر أثراً وبالتالي لا ينال الفرد التوفيق في حركته الدينية والاجتماعية . كلمة ( غِل ) المأخوذة من مادّة ( غلل ) وكما يقول الراغب في كتابه ( المفردات ) هي في الأصل بمعنى الشيء الخفي الّذي ينفذ تدريجياً وبخفاء ، ولهذا يُقال للماء الجاري ( غلل ) لأنّه ينفذ إلى الأشجار تدريجياً . ثمّ استُعمل الغلول في ( الخيانة ) لأنها تنفذ بخفاء وتدرّج ، وكذلك استُعملت في ( الحقد والحسد ) حيث ينفذان إلى القلب بشكل خفي وتدريجي . وجاء في ( لسان العرب ) أنّ الحسد نوع من ( الغلّ ) كما أنّ من مصاديقه هو الحقد والعداوة أيضاً . والكثير من المفسّرين يرون في تفسير الغِل بمعنى الحسد كالفخر الرازي في ( التفسير الكبير ) والمراغي في تفسيره والقرطبي في ( الجامع لأحكام القرآن ) في ذيل هذه الآية محل البحث . « الآية السابعة » والأخيرة من الآيات مورد البحث تتحدّث عن صفات أهل الجنّة وتقول بعد تصريحها باستقبال الملائكة لهم في القيامة ودعائهم لهم بالسلامة والأمن « وَنَزَعْنا ما فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْواناً عَلى سُرُرٍ مُتَقابِلِينَ » « 2 » .
--> ( 1 ) . سورة الحشر ، الآية 10 . ( 2 ) . سورة الحجر ، الآية 47 .